داود العطار

60

موجز علوم القرآن

وإذا ثبت عجز العرب ، وهم أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء وفرسان هذا الميدان ، ثبت إعجازه البلاغي ، وكان حجة عليهم ، وعلى من سواهم من باب أولى . وفيما يلي أمثلة مما جاء في القرآن الكريم من البلاغة : أ - قال تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ . . . [ سورة الأنبياء ؛ الآية : 18 ] . وفيها : كأن الحق - وهو معنى مجرد ، ولعظم شأنه - قذيفة ثقيلة ، ترمى على الباطل الهش الواهي ، فيرديه جثة هامدة ، وقد استخدمت في هذا المشهد العظيم ، للصراع بين الحق والباطل ( الفاء ) التعقيبية ، ولم تستخدم ( ثمّ ) ، أو غيرها ، لطيّ المشاهد بسرعة ، وبيان قدرة الحق الفائقة على دمغ الباطل ، والسرعة الخاطفة التي تم خلالها إزهاقه . والإزهاق هو خروج الروح لبيان حتمية انهيار الباطل ، وانعدام وجوده ، وبطلان أثره . ولقد أجاد السيد الرضي حين لاحظ أن ( الدمغ إنما يكون عن وقوع الأشياء الثقال ، على طريق الغلبة والاستعلاء ، فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه ) « 1 » . ب - قوله تعالى : إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ . . . [ سورة الملك ؛ الآيتان : 7 - 8 ] . والآية تتحدث عن أهل النار . وعملية « الإلقاء » تجسيد لمشهد مروّع بحد ذاته ، تحس بحركته متجسمة بمنظر إلقاء المجرمين في النار . وهي حانقة عليهم ، تجذبهم إليها بشهيقها ، وهم مروّعون ، يسمعون ذلك الشهيق المرعب ، فتخلع له قلوبهم ، قبل أن تلتهمهم ألسنتها ، ويحرقهم لهبها ، ويشويهم مهلها وقطرانها . . . ولقد استوقفت هذه الصورة الرائعة المرعبة السيد الرضي ، فذكر

--> ( 1 ) تلخيص البيان في مجازات القرآن : ص 141 .